الأربعاء , 21 فبراير 2018
الرئيسية / الظهور في السلايدر / تقرير .. د. ظافر العجمي ا تخفيف التواجد الأمريكي في الخليج: تغيير استراتيجيات أم تغيير في موازين القوى

تقرير .. د. ظافر العجمي ا تخفيف التواجد الأمريكي في الخليج: تغيير استراتيجيات أم تغيير في موازين القوى

الحصيلة – الدار : الدكتور ظافر محمد العجمي .. المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

في المنطقة العربية وفرة بشرية، ووفرة موارد شكلت وقود لفائض من التدين المتطرف غير المتعايش مع مخالفيه، مما جعل المنطقة بيئة تنزع إلى الاشتعال بين فينة وأخرى. فوجدت الدول الكبرى أن الحل لحفظ مصالحها هو العمل على استنزاف هذه الوفورات بشكل فوري، وقد تنوعت أشكال التدخل الخارجي في الأزمة السورية –التي هي بوتقة صهر الوفورات العربية حاليا-حتى أننا في الخليج استنكرنا تغير الاستراتيجية التقليدية الأميركية للتقرب من الأزمات، بل والتواجد في الخليج ونيتها تخفيف وجودها العسكري، مقابل زحف موسكو على المنطقة ودخولها في تحالفات جديدة مع دول إقليمية غير عربية. فهل هو تغيير استراتيجيات أم تغيير في موازين القوى؟

-مراجعة الاستراتيجية العسكرية

تواجد العسكري الأميركي في الخليج منذ أربعينيات القرن العشرين حين انطلقت القوافل البحرية الأميركية محملة بالمدد من البحرين عبر إيران لدعم ستالين المحاصر من الفيالق الألمانية فيما عرف بالممر الفارسي «Persian Corridor». ثم تحول الخليج العربي إبان الحرب الباردة والتي امتدت لنصف قرن إلى خندق لوقف الشيوعية بالتنسيق مع شاه إيران تحت ترتيبات عقيدة الدعامتين «Twin Pillars» الأمريكية. ومنذ منتصف 1991م، بدأ مسعى أمريكي جديد في شأن مسألة الترتيبات الأمنية في الخليج، فطرحت واشنطن خطة لتكثيف تواجدها وتوسيع هذا التواجد في المنطقة، كأساس لترتيبات أمنية تجمع واشنطن ودول الخليج الستة معاً. حيث وقعت على أثرها اتفاقيات أمنية عدة تنص على تواجد ألوية برية ومظليين كمقدمة لباقي القوات عند حدوث تهديد مثلما تم مع الكويت. ورغم خروج القوات الأميركية من السعودية 2003م أعطى هذا التواجد ثماره بعد تداعيات أحداث 11 سبتمبر 2001م، على المنطقة، فبالاستناد إلى هذا التواجد المسبق أتيحت الفرصة أمام باقي عناصر القوات الأمريكية للتدخل وإسقاط حكومات صدام وطالبان في العراق وأفغانستان.

-شعار آسيا أولاً

وفي مطلع 2011م، طرح الرئيس الأميركي باراك أوباما مبادرة مراجعة الاستراتيجية العسكرية بعد أن طلب من البنتاغون بدء التخطيط لتخفيضات كبيرة في ميزانية الدفاع، وتستهدف الاستراتيجية التعرف على الأولويات الأمريكية وتوجيه الإنفاق الدفاعي مع بدء تقليص حجم الجيش. ثم اتفق أوباما مع الكونجرس في أغسطس 2011م، على تقليص الإنفاق المتوقع على الأمن القومي بأكثر من 450 مليار دولار في السنوات العشر القادمة. وفي أوائل يناير 2012م، كشف أوباما عن وثيقة الاستراتيجية الجديدة للجيش الأمريكي، التي تدعو إلى وجود عسكري أمريكي أكبر في آسيا، وتقترح تقليصاً لحجم القوات في أوروبا والشرق الأوسط. وهذه الاستراتيجية تمثل تحولاً نوعياً في أولويات الاهتمام الأمريكية التقليدية حيال الحلفاء الأطلسيين في أوروبا والخليج. وقد تقرر خفض عدد القوات البرية من 565 ألف إلى 520 ألف جندي عامل بعد 2015م، وفقاً لمراقبين عدة[1]. وتحت شعار آسيا أولاً ألقى وزير الدفاع الأمريكي بانيتا 2 يونيو 2011م، خلال الدورة 11 من حوار شانغريلاه كلمة بعنوان «أمريكا وإعادة التوازن في آسيا والمحيط الهادي»، تحدث فيها عن كيفية دفع الاستراتيجية العسكرية الجديدة «إعادة التوازن»، ونقل الثقل الاستراتيجي إلى آسيا، والمعنى من ذلك هو أن الولايات المتحدة لم تغادر منطقة آسيا والمحيط الهادي مطلقاً، وإنما هي بصدد إجراء تعديل على اهتماماتها الخارجية، بعد نهاية حربي العراق وأفغانستان.

-الاستراتيجية غير التقليدية للتواجد الأميركي في الخليج

أصبحت الولايات المتحدة ترى بأن أوروبا والشرق الأوسط لم تعد مركز ثقلها الاستراتيجي، وأن آسيا قد حلت مكانها، وستركز أمريكا أكثر على القوات البحرية والجوية، وبحلول عام 2020م، ستكون البحرية الأمريكية قد غيرت بنية انتشارها، وعلى عكس القواعد الكبرى الدائمة، يأتي تعزيز التواجد العسكري الأمريكي في آسيا والمحيط الهادي عبر التنسيق مع الحلفاء والشركاء، بنمط له منافعه الاقتصادية، وضعف التكلفة، وضعف حدة المعارضة السياسية داخل البلدان المتعاونة. لقد كان الخليج العربي ضمن هذه التغييرات، فقبل خمس سنوات، كان العدد الإجمالي لأفراد الجيش الأمريكي في الخليج العربي أكثر من 230 ألف. واليوم، هذا العدد أقل بكثير من 50 ألف[2].مما أثار موجة توجس خليجية جراء أسباب أهمها عدم الاستقرار السياسي والصدمات النفطية، فغياب الهيمنة الخارجية يعني أنه لم يعد هناك من يستطيع وقف القوى الإقليمية عن التنافس على النفوذ. فالانسحاب الأميركي السريع يخلق فراغا أمنيا وانهيارا سياسيا كالذي حدث في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، بعد الانسحاب البريطاني من شرق السويس في الخطة الشهيرة التي أعلنتها لندن 1968م. ليس فقط لتحصينهم ضد إيران، ولكن أيضا لإخماد التنافس فيما بينهم. ففي الخليج لا نجد حرجا في الاعتراف بالفوائد الأمنية والاقتصادية التي توفرها الهيمنة الأمريكية[3].فدول مجلس التعاون الخليجي اليوم بصفة عامة تريد من الولايات المتحدة أن تبقى في المنطقة، بعكس واشنطن التي كان من أهداف تواجدها العسكري في المنطقة الالتزام بالمحافظة على حرية الملاحة في المياه الدولية لضمان استقرار تدفق البترول، كما تعتبر أن أمن واستقرار الدول الصديقة والمرتبطة بمعاهدات معها من أولويات استراتيجياتها المستقبلية. أما الآن فلم تعد ترغب في التواجد الفعلي في الخليج فالقوات البرية ليست بالضرورة مفتاح مراقبة التطورات الإقليمية فالمعلومات الاستخبارية حول قضايا المنطقة تصل بدرجة جيدة جدا دون حاجة للتواجد. والممرات البحرية تخدمها كاسحات الألغام المتمركزة في موانئ خليجية محددة .كما تستطيع واشنطن تتبع وتحديد مواقع الصواريخ المحمولة في حال حاولت إيران مهاجمة منشآت النفط أو عمليات شحنه من البر، كما يمكن الاستفادة من العدد المتزايد من الطائرات بدون طيار لاكتشاف استعدادات لحملة كبيرة ضد النفط في الخليج، فهي تحتاج إلى هيكل دعم صغير نسبيا وغير واضح، مما جعل أوباما يتوسع في استخدامها في كل أماكن الصراع التي تكون واشنطن طرف فيها، وسيقام لها بنية أساسية بتوسع في دول الخليج العربي.

إن أولوية آسيا مقابل أهمية أوروبا والشرق الأوسط تعني التخلي عن دعم الخليج في مواجهة جارته سيئة الطباع، مما يفتح المجال أمام الخليجيين للبحث عن حلفاء جدد، وإن لم يظهر هذا البحث مرتديا اللبس العسكري فقد ظهر جليا في فتح الخليجيين آفاق التعاون شرقا وغربا حتى وصلت بناء هياكل تعاون اقتصادية ناجحة مع الصين، وعقد مؤتمر كبير في الرياض قبل شهر مع دول أمريكا الجنوبية، سيتبعها هياكل تعاون أخرى مع دول أفريقية فاعلة.

كما أن أولوية آسيا الأميركية تُظهر الجانب المضيء من القمر حيث نتوقع أن يتراجع الإفراط الأميركي في دعم الكيان الصهيوني. فقد وعت جهات أمريكية عدة إلى أن صعود الإسلاميين لسدة الحكم في العديد من البلدان العربية خلال الربيع العربي، كان بدوافع النكاية بالسياسة الأميركية العرجاء. مما يعني تغير خريطة دعم واشنطن لحلفائها في الشرق الأوسط وإن كان تراجع موقع إسرائيل في السياسة الأميركية سيكون تراجع بدرجة أقل حدة من تراجع الخليج العربي، ولعل أول المؤشرات على ذلك الاتفاق النووي الإيراني. أما التغير الثالث فهو أن التحول الأميركي آسيويا سيكون ليس على حساب الخليج وإسرائيل فحسب بل وعلى حساب أوروبا الغربية بعد أن استدارت واشنطن لتتحول من دولة أطلسية إلى دولة باسفيكية، وخطورة هذا التحول الأخير تكمن في درجة تخلي واشنطن عن حلف شمال الأطلسي نفسه. إن خريطة التحولات الأميركية المقدرة سابقا تبقى في درجة التقدير الاستراتيجي إلا أن شبه المؤكد هو صعوبة أمر ردع إيران عن تنفيذ طموحها التوسعي في الخليج والتركيز في الوقت نفسه على آسيا فإيران ملف مفتوح بشكل دائم.

– دول عظمى بمقاييس إقليمية

لقد تشكل فراغ قوة جراء تخفيف التواجد الأمريكي كمسار غير قابل للارتداد، ولأنّ القواعد الإقليمية قد تغيّرت، فطفقت أطراف عدة تتحرك لملء الفراغ المتشكل، وأصبح هناك تنافس بين الدول الكبرى وبين دول عظمى بمقاييس إقليمية مثل تركيا والسعودية وإيران وهي قوى محلية تعتقد بقدرتها على النهوض بالتبعات الإقليمية من خلال انخراطها بقوة في المشهد السوري كفرصة لفرض نفسها. كما تجاهد لكي يكون لها دور في تشكيل نظام شرق أوسطي جديد ثلاثي المحاور يتألف من: محور تركيا والأكراد و جماعة الإخوان المسلمين؛ وتدعم الحكومة التركية منذ أمد المعارضة السورية، وتسمح لهم باللجوء إلى أراضيها. و تريد أنقرة التخلص من الأسد، وإزالة التهديد المتزايد لداعش ووضع حد لسنوات من عدم الاستقرار والصراع العنيف على طول حدودها الجنوبية. ولكنها تريد أيضا أن توقف الأكراد من نحت دولتهم خلال الفوضى الحالية. ومحور إيران والشيعة؛ وطهران هي داعمة نظام الأسد، بالمال والسلاح والمقاتلين، وهدفها: القضاء على داعش. لكن يقول محللون أنهم يشكون في أن هزيمة داعش هو أهم أهداف طهران في سوريا. ومحور المملكة العربية السعودية دول الخليج[4].والخليجيون هم من الداعمين الرئيسيين للجماعات التي تقاتل النظام السوري وداعش، وتهدف الرياض والدوحة إلى الإطاحة بالأسد، وليس من المرجح أن تقبل بأقل من ذلك.

الزحف الروسي على المنطقة

– خطر فقدان أخر حليف عربي جدير بالثقة

قبل ثلاثة أعوام كان يمكننا القول أن البأس العسكري الروسي ضيعه البؤس السياسي، كعبثية تبادل السلطة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الحكومة ديمتري ميدفيديف والتي تجاوزت تبادل الأدوار إلى تبادل المنازل السكنية. ثم قرر بوتين أن يصبح القيصر الأوحد، فأفصح عن طموحاته بإعادة روسيا إلى مجد يشبه عهد الاتحاد السوفيتي. فقد أشار في مواقف عدة إلى أنه يعتبر سقوط الاتحاد السوفيتي أكبر مأساة حلت في القرن العشرين. وعلى الرغم من تضاؤل النفوذ الروسي في الدولة الشيوعية السابقة التي ذابت في الاتحاد الأوروبي إلا أنه يجاهد من أجل تعزيز هيمنة بلاده على دول السوفييت السابقة بطرق أخرى كالغاز والكهرباء والحدود. لقد كان لابد أن تعرقل موسكو النفوذ الغربي في حديقتها الخلفية، ودون أن يعترف الطرفان بفكرة أن هناك ما يشبه الحرب الباردة، كان جليا للمحللين أن بوتين يلعب ضد الغرب «لعبة الشطرنج» ،فجاء الاحتلال العسكري الروسي لإقليم القرم في أوكرانيا، ولاستثمار الفوز ولمعادلة ميزان القوى العالمي، أسرع بوتين بتجديد العلاقات بالعالم العربي، كحركة شطرنج ردا على التحركات الغربية .لقد كان خطر فقدان آخر حليف عربي جدير بالثقة في عالم ما بعد الحرب الباردة أمر غير وارد لبوتين، فهناك كثير من الأشياء المعرضة للخطر في سوريا كمنشأة طرطوس البحرية ؛ وقيمة السلاح الذي يشكل48% من الواردات السورية؛،بالإضافة إلى زوال حلم امتلاك نفوذ سياسي في الشرق الأوسط[5].

-دواعي التدخل العسكري الروسي في سوريا

التدخل الروسي في سوريا، هو تَدخُل استراتيجي أولاً وأخيراً، حيث تُريد روسيا استعادة دورها في المنطقة لم يكن قرار سياسي محسوب فحسب، بل لأن سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما هناك كانت ولازالت ضعيفة، وتؤدي إلى تشويش الأصدقاء وتشجيع الأعداء، فوجدت موسكو في التلكؤ الأمريكي فرصة ذهبية فاستغلتها. وتتفق أهم محافل التقدير الاستراتيجي على أن دواعي التدخل العسكري الروسي في المنطقة بشكل عام لا تخرج عن التالي:

-اعتبرت موسكو دعم الأسد على نطاق واسع خطوة للدفاع عن موطئ قدم من حقبة الحرب الباردة الجديدة، وإغلاق للطريق أمام تدخل غربي مستقبلي في بلد وثيق التعاون معها، وسبيل لاستعادة الاعتبار في الشرق الأوسط عبر إعادة بسط النفوذ الروسي بعدما «خدعت» دول حلف شمال الأطلسي روسيا في ليبيا.

-التراجعات العسكرية والهزائم التي مُني بها النظام السوري جعلت من الواجب فرض التواجد الميداني الروسي، عبر تحويل ميناء طرطوس إلى قاعدة عسكرية روسية ومطار اللاذقية المدني إلى مطار عسكري في خدمة مصالحها، فالتفاصيل العسكرية لا تفعل غير تأكيد الطبيعة الاستراتيجية للقرار.

– منع صعود الإسلاميين السنة إلى السلطة، في مصر وليبيا وسوريا، فهناك قلق روسي جدي من الإرهاب الإسلامي واقتناعها أن انتصاره في سوريا سيأتي به إلى روسيا. حيث أن أهم محددات استراتيجية روسيا الخارجية في منطقة الشرق الأوسط هي مواجهة التطرف الديني. وقد تم تأكيد ذلك في العقيدة العسكرية الروسية الجديدة التي أقرت في 26 ديسمبر 2014م.[6]وبناء على هذا القلق من الإسلام السني تشكل حلف مركزه بغداد للتنسيق والتعاون الاستخباري بين روسيا وسوريا وإيران والعراق.

– لأن الاستراتيجيات الدفاعية تمقت الفراغ عاد الاهتمام الروسي بالشرق الأوسط بعد الاستدارة الأميركية. حيث كان الروس منشغلين في أوكرانيا وبتمركز بطاريات صواريخ باتريوت الأميركية على الحدود الروسية[7]. وتسعى روسيا إقليمياً لبناء تحالف إقليمي من حلفائها التقليديين كالعراق، سوريا، إيران، حزب الله اللبناني. ثم مصر بعد ترويضها بتبعات تفجير الطائرة الروسية وإنشاء محطة نووية بقرض روسي، بالإضافة إلى قناعة روسيا بأن باب المفاوضات قد انفتح جديا حول مصير سوريا. وتريد أن تكون موجودة بصفتها فاعلاً على الأرض. فروسيا مقدمة على إدارة الأزمات الدولية والإقليمية للحصول على قدر من نصيب السيادة الدولية والنفوذ الاقتصادي والسياسي الذي يحظى به غيرها [8]. وكأن خطة بوتين تقول أن العراق لواشنطن وسوريا لموسكو، مع حرمان إيران من أية مكسب. حيث استغلت تذمّراً مكتوماً من النظام السوري وحاضنته الشعبية من استفراد إيران بالقرار السوري[9].

– -ويذهب محللون من فريق الأسد إلى أن روسيا اتخذت قرارا استراتيجيا بالتدخل لأن تركيا عبر تنسيق خليجي بغطاء أمريكي كانت تمهد للتدخل العسكري المباشر في سوريا وإنشاء المنطقة العازلة، وأن إسرائيل بدعمها لجبهة النصرة والجيش الحر وقوى أخرى منضوية تحت جيش الفتح كانت تهدف لإنشاء شريط عازل في جنوب سوريا يشمل درعا والسويداء وسهل حوران امتداد إلى الحدود الأردنية بدعم إسرائيلي إقليمي [10].

ردود الأفعال على التدخل الروسي

-أمريكا بين الانخراط والاعتزال

بدأت ردة الفعل الأمريكية والغربية، بإبداء جون كيري «القلق البالغ» إلى نظيره الروسي سيرغي لافروف، وبالطلب من بلغاريا واليونان عدم فتح مجاليهما الجوي أمام روسيا، صحيح أن الإدارة الأميركية لم تعتزل الشرق الأوسط إنما المسافة بين الانخراط والاعتزال كانت هي ثغرة بوتين التي ولج منها ويعتزم الاستفادة منها بأقصى الحدود الممكنة، حيث تتضح صورة تعبر عن برود أمريكي وغربي أقرب للتواطؤ والانتهازية فالقاسم المشترك بين الأوليتين الأميركية والروسية هو تقزيم واختزال الأمر الواقع للمسألة السورية إلى إرهاب. ومع إصرار واشنطن على رحيل الأسد قد يكون بقاء النظام المرتبط مع موسكو هو المخرج من عقدة الأسد[11].فالانتهازية الأميركية في التعامل مع مغامرة بوتين ترى أنه سيواجه غضب العالم الإسلامي بأسره، بما فيه المسلمين الروس. وسيجد نفسه في وضْع مَن تسلق شجرة لا يستطيع النزول منها، فتسُّرع بوتين للتورط في سوريا ربما هو الذي سيرغمه في النهاية إلى البحث عن حل سياسي هناك.[12]”

فجوة العلاقات الروسية الخليجي

وقد وضعت الأزمة السورية والتدخل العسكري الروسي العلاقات الروسية الخليجي على مفترق طرق. فالعلاقات لم تصل إلى مستوى الشراكة بين روسيا ودول مجلس التعاون. بل محصورة في شراء دول مجلس التعاون الأسلحة الروسية، أو ضخ الاستثمارات الخليجية في روسيا. وقد فشلت دول مجلس التعاون في جعل روسيا تتفهم مصالح ومخاوف دول المجلس. قابله عدم حماس روسي بدعم المواقف الخليجية تجاه القضايا الإقليمية داخل أروقة المنظمات الدولية، كرؤيتها للحوثة في اليمن كجماعة دينية فقط[13].وعليه ستتولد فجوة جراء تفضيل بوتين علاقته مع طهران على حساب الخليجيين، والتمسك بالأسد الذي نقل العلاقة إلى المواجهة المباشرة بين محور “موسكو – طهران – بشار” من جانب وبين الحلف السني الداعم للمعارضة السورية “قطر-تركيا-السعودية” من جانب آخر.

تبعات للتدخل الروسي على الخليج

ومن المتوقع أن تكون هناك تبعات للتدخل الروسي في سوريا على الخليج لا محالة، حيث سيعيد التدخل الروسي رسم خرائط جديدة بتداعيات على دول الخليج التي كانت تخاف «تقسيم سايكس/بيكو» فأتى من سينفذه على شاكلة «تقسيم برلين» القاسي المتصف بالعزل التام. كما لم تكن روسيا لتقدم على التدخل بدون التنسيق مع طهران، وكما نسق نيقولا الثاني مع القاجار قبل قرن، ويعني وصول الروس الناجح لإقليمنا تحقق الحلم الروسي بالوصول إلى مياه الخليج الدافئة. وسيكون من تداعيات التدخل الروسي خلق شحنة تعاطف جهادي، وحين يرحل الروس ستنتج صدمة ديموغرافية تسيل خلالها شعاب الإرهابيين من المرتفع السوري إلى العواصم الخليجية فيما يشبه الحالة الأفغانية سابقاً. كما تعلم روسيا بانشغال الخليجيين في اليمن، وهناك مجال لتتفرغ إيران لليمن، كما سيتحرك الوضع في العراق سلبياً على دول الخليج، بدليل إصرار بغداد على نفي كون التحالف الرباعي عسكرياً[14].

الحضور السياسي المتنامي للصين

في ظل فشل سياسات الغرب تجاه أزمات الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي تتفق جهات على تبلور مجموعة أنشطة سياسية صينية هنا. حيث أخذت الدوافع الاستراتيجية تتشكل كمحرك للموقف الصيني من أزمات المنطقة. حيث قد استغلت الصين بمهارة امتيازاتها كقوة غير استعمارية لا تسعى إلى إحداث تغيير جذري في المنطقة كما يفعل الغرب استغلتها في بناء علاقات قوية في المنطقة. حيث أكدت في أكثر من منبر أن تأمين متطلبات التنمية الاقتصادية في الصين هو الهدف الأكبر للسياسة الصينية لأن هذه التنمية تؤمن لها الاستقرار الداخلي والدور العالمي؛ لكن ذلك في تقديرات عدة لن يطول فبكين تعمل مع روسيا في دعم موقف الأسد لتجاوز الخلافات التقليدية بينهما من أجل حسن استثمار الوضع السوري جراء التردد الغربي .بل وصل التعاون بينهما منافسة واشنطن في أكثر مجالاتها قوة وتفرّدا وهو المجال العسكري، بدل الحد من الهيمنة الأميركية وخلق عالم متعدد القطبية بالدبلوماسية حيث تستطيع الصين حماية مصالحها من خلال مجلس الأمن الدولي، واستخدام حق النقض (الفيتو) لعرقلة قرار مجلس الأمن بشأن الأزمة السوريّة. مظهرًا دور صيني يهدف بصورة أساسية في الانخراط أكثر فأكثر في الأحداث العالمية. كما يقلق المراقب الخليجي ترحيب الصين بانتهاء الحظر المفروض على إيران؛ من باب أن رفع العقوبات سيزيد من آفاق التّعاون بين البلدين في مختلف المجالات. وعلى سبيل المثال، سيمكّن رفعُ العقوبات إيران من الانضمام لمنظّمة شنغهاي للتعاون التي تضم مجموعةً من دول أوراسيا من ضمنها الصين وروسيا، والتي يعتبرها بعض المراقبين المنافسَ المستقبلي لحلف شمال الأطلسي. وهو توجه صيني يخالف منطق الأمور فقد اعتقدنا أن الصين تريد إبقاء الولايات المتحدة مقيدة في منطقة الخليج العربي لمتابعة مشاغبة إيران إن لم يكن لصالح دول الخليج فللدفاع عن الكيان الصهيوني. هذا التقييد يحد من التوجه الأمريكي نحو آسيا، منافسة الصين الأولوية القصوى في الاستراتيجية الأميركية، مما يعني أن الصين على خارطة المنطقة ستكون في معسكر الأسد- موسكو-طهران. وذلك ليس في صالح التوازن الذي ننشده للمنطقة. فهو يعني ضمن أمور عدة أن توجه واشنطن للشرق مقتربة من المحرمات الصينية، إعادة جعل الصين تعمل على بناء دورها العالمي بالدخول في المناطق المحرمة لغير واشنطن .

ونختم بالقول أنه على الرغم من أنها لاتزال القوة العسكرية المتفوقة في الشرق الأوسط إلا أن الولايات المتحدة فقدت القدرة على تشكيل الأحداث بالمنطقة. حيث أدت خطوات مراجعة الاستراتيجية العسكرية الأمريكية التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما منذ نصف عقد إلى تخفيف التواجد الأمريكي في استدارة من الشرق الأوسط وأوروبا إلى المحيط الهادي تحت شعار آسيا أولاً. ولم يكن من الصعب إخفاء الشعور بالمرارة في العواصم الخليجية والشرق الأوسط جراء هذا التخفيف حتى وصل بالبعض عند قاع اليأس من حليف مؤتمن لما يزيد على نصف قرن رغم تذرع واشنطن ببقاء منظومة الأمن كما هي بناء على استراتيجية غير التقليدية للتواجد الأمريكي في المنطقة لا حاجة فيها للعسكري الأمريكي للظهور بكل قوته كدليل على الانخراط الأمريكي لا الاعتزال عن منطقة بأهمية الشرق الأوسط .مما دفع لسباق ملء الفراغ بين القوى الكبرى والقوى الاقليمية، حيث ظهر هذا التنافس مسلحا في المشهد السوري أو سياسي وأوضح كما في حالة الصين . ولخوفها من خطر فقدان حليف عربي و دواعي مصلحية أخرى تم التدخل العسكري الروسي في سوريا، والذي قوبل بردود أفعال غربية تشبه التواطؤ، وردة فعل خليجي رافضة أن تكون موسكو جزء من الشكل النهائي للمنطقة عبر الكيانات التي ستخلقها لخدمة مصالحها، فتبعات التدخل الروسي على الخليج هو بنفس ثقل تبعاته على قوى المعارضة السورية .فقد خرجت روسيا من الشرق الأوسط 1973م، عبر انتصارات الرئيس السادات الذي حرمها اقتسام غنيمة حرب أكتوبر رغم استثماراتها العالية في الآلة العسكرية المصرية التي حققت النصر ، فعادت روسيا – بوتين اليوم عبر هزائم الأسد لتعيد توازناً استراتيجياً بين القوى الغربية وموسكو على حساب العالم العربي قبل أن يكون خصمًا من رصيد المعسكر الغربي .

(Visited 1 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

مدرسة بريطانية تعرض “فيديو إباحي” للتلاميذ بدلا من “تاريخ تيتانيك”

في فيلم “التجربة الدنماركية”، حاول الوزير “عادل إمام” عرض خطة وزارته على الحكومة في فيلم …