الأحد , 17 ديسمبر 2017
الرئيسية / تقارير ودراسات / د. ظافر العجمي يكتب .. بريطانيا قوة عظمى مضافة لأمن الخليج

د. ظافر العجمي يكتب .. بريطانيا قوة عظمى مضافة لأمن الخليج

الحصيلة – د. ظافر العجمي – المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج :

حين أعلنت سعي بريطانيا إلى تعزيز التعاون في مجالات الأمن والدفاع مع دول الخليج،رأى البعض أن إعلان رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي في المنامة5 ديسمبر 2016م، أثناء مشاركتها في القمة الخليجية مفاجئ جدًا يخلو حتى من التمهيد! بل أن البعض اعتبره حدث القمة الأهم ووصفها بقمة خليجية بثوب بريطاني[1].
فالتغييرات طفيفة بين قدومهم الأول وعودتهم الحالية، البريطانيون كانوا يجيدون العربية حين وصلت أساطيلهم لمياه الخليج العربي أول مرة قبل قرنين،وكانت سفنهم الحربية تسير في أثر سفن التجارة. أما الآن فلا نكلف دبلوماسييهم عناء تعلم لغة الضاد، فحتى أطفالنا يتحدثون اللغة الإنجليزية، أما في مجال السفن فلم تطلب تريزا ماي تسهيلات للبحرية الملكية البريطانية إلا لكي تتبعها المصالح الاقتصادية وتتبعها سفن التجارة.
لم تشارك بريطانيا في القمة الخليجية بوصفها ضيفة شرف وحسب، بل بوصفها شريكًا استراتيجيًا مهمًّا لدول الخليج. فهل سيشهد التعاون بين لندن ودول الخليج نقلة نوعية في مجال الأمن، وما هي فرص نجاح ذلك التعاون وتحدياته؟
بريطانيا القابعة على تخوم المشهد الخليجي
في مطلع 1805م، استولى القواسم على السفينة «Trimmer» التابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية، فحاصر الأسطول البريطاني بندر عباس التابع للقواسم بقيادة الطراد «Mornington»، وانتهى الأمر بإبرام هدنة، لكن الأمور تدهورت فكانت المواجهات في عام 1809م، ثم في عام 1816م، ثم في عام 1819م، التي انتهت بتدمير رأس الخيمة. ثم فرض السلم البحري بعد ذلك بعام وظل مستتبًا لمدة 150 عامًا. أما في الماضي القريب وبعد تغير موازين القوى العالمية أعلنت لندن في عام 1968م، «نيتها» الانسحاب من الخليج ونفذته في عام 1971م. لقد كنا في عزلة أمنية مريحة طوال فترة الحماية البريطانية، ثم «ارتاحت» بريطانيا من همنا لــ 45 عامًا[2].لكن ذلك لم يمنع نزول البحارة البريطانيون في تلال المطلاع للدفاع عن الكويت إبان الأطماع العراقية التي عرفت باسم أزمة عبد الكريم قاسم في صيف 1961م، عشية إعلان الكويت لاستقلالها. كما لا يسعنا تجاهل الـدور الهام الذي لعبته بريطانيا في عملية عاصفة الصحراء 1991م. كما لم يمنع خروج بريطانيا من الخليج استمرار دورها كمزود وحيد للسلاح خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. بل أن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية بلندن أكد أن الشرق الأوسط ومنه دول الخليج ينفق على شراء الأسلحة مبالغ كبيرة، ويتجه ليظل أكبر مشترٍ خلال السنوات القادمة للسلاح البريطاني.فقد وقعت الكويت وقطر والإمارات والبحرين اتفاقيات دفاع وتعاون عسكري عديدة مع المملكة المتحدة[3]. ويكفي أن نشير إلى “مشروع اليمامة”الدفاعي وهو اسم سلسلة من صفقات شراء ضخمة بشكل غير مسبوق لأسلحة بريطانية من قبل الحكومة السعودية 1985-2006م، وكانت الجهة الرئيسية المتعاقدة بي إيه إي سيستمز وسابقتها بريتش ايروسبيس.كما تتولى بريطانيا تدريب الحرس الوطني السعودي، من خلال بعثة عسكرية دائمة، كما تنفذ برنامج تطوير أنظمة التسليح والاتصالات والمراقبة الإلكترونية لطائرات «التورنيدو» السعودية، وتدريب الأطقم الفنية والجوية عليها.
– عودة سفن الهند الشرقية البريطانية للخليج 
يعود أسطول شركة الهند الشرقية البريطانية بقيادة تيريزا ماي، التي أعلنت عن نيتها في المنامة التعاون مع دول الخليج في  مجالات عدة؛ ليعوض انكفاءها مطلع سبعينات القرن الماضي ويعزز حضور بريطانيا العسكري في الخليج من البحرين إلى سلطنة عمان، في إطار إعادة تموضع سياسي واقتصادي وعسكري، ولتواكب نشر المقاتل الغربي لدروعه التي ترصع الساحل الشرقي للخليج العربي،فالسعودية مقر للقيادة العسكرية المركزية الأمريكية،والبحرين مقر للأسطول الخامس، وقطر مقر للقيادة الجوية،والقاعدة العسكرية الفرنسية تم تدشينها بأبوظبى مايو 2009م، وقاعدة إسناد البحرية البريطانية اُفتتحت بالبحرين نوفمبر 2015م، وأول مقر إقليمي لحلف الناتو أنشئ مؤخراً بالكويت بعد معسكر عريفجان.وقد أظهر ذلك أن العودة البريطانية كدائرة من دوائر أمن الخليج فيها من فرص التعاون الشيء الكثير.
-ميزان القوى العسكرية في الخليج
لاتعني حاجة دول الخليج للتعاون الدفاعي مع بريطانيا إلى ضعف مهين في منظومات دول الخليج الدفاعية بقدر ماتشير إلى قلقها من سطوة القوة التي تمارسها إيران خارج القانون الدولي، ويشير لذلك احتلال جيوش الخليج مراتب متقدمة في تصنيف أقوى جيوش العالم بناء على التقارير التي  تعدها مؤسسة «جلوبال فاير باور» الأميركية.  globalfirepower.comحيث حل الجيش السعودي في المرتبة الثالثة في قائمة أقوى الجيوش العربية، والمركز الـ 21 عالميًا لعام 2016م، متقدمًا 7 مراكز عن العام الماضي، وفقاً للتقرير. فيما كان ترتيب الجيش السعودية عام 2014م، في المركز الـ 25 ثم تراجع إلى 28 عام 2015م، ثم تقدم إلى المركز 21 في تصنيف العام الجاري 2016، ما يشير لحجم الصفقات التسليحية الضخمة، حيث يستند تصنيف الموقع لأقوى جيوش العالم على الدعم الاقتصادي للجيش (الصفقات) والعوامل الجغرافية، المؤثرة على إمكانية استخدام القوات المسلحة، بعين الاعتبار أثناء وضع التصنيف.وبحسب التقرير تمتلك السعودية من الدبابات: 1210، ومن المركبات المدرعة المقاتلة 5472، ومن البنادق ذاتية الدفع 524، ومن المدفعية: 432، أنظمة الصواريخ 322.أما القوة الجوية فلديها 722 طائرة، منها 245 اعتراضية و245 هجومية ومثلها ثابتة الجناح، إضافة إلى 221 طائرة نقل عسكرية و213 طائرة تدريب و204 هليكوبتر، و22 مروحية هجومية.أما القوة البحرية فتضم 7 فرقاطات، و4 طرادات، و39 زورق هجومي كرافت و4 كاسحات ألغام.كما تقدم ترتيب الإمارات من المركز الـ 50 بين أقوى جيوش العالم عام 2015م، إلى المركز 45 في ترتيب العام الجاري 2016م، وجاء الجيش الكويتي في المرتبة 69 عالميًا من بين 126 دولة، وكان في المرتبة 71 عام 2015م، وقبلها في المركز 74 عام 2014م.وجاء جيش سلطنة عمان في المركز 70 وكان العام الماضي في المركز 69، ثم البحريني (76)،وكان عام 2015م، في المركز 83، ثم القطري 82، وكان في المركز 77 العام الماضي بفعل كمية ضخمة من الأسلحة التي اشتراها العام الماضي[4].
ويصعب تصوّر وقوع تصادم عسكري بريطاني – إيراني دفاعًا عن الخليج،لكن تريزا ماي أعلنت تأسيس قوة عمل مشتركة بين بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي. ويضم فريق دفاعي بريطاني لتنسيق الأنشطة الإقليمية،وفيما يلي ميزان القوى بين القوة العسكرية البريطانية وأقرب تهديد عسكري ممثلا في إيران.
القوة العسكرية البريطانية:
بعد أعوام من التلميح إلى أن بريطانيا تعمل بهدوء من أجل إعادة تأسيس تواجد عسكري دائم لها في منطقة الخليج العربي، تعود وفي قوتها العسكرية بالخدمة الفعلية 150 ألف مقاتل.في خدمة الاحتياط 182 مقاتل. القوة البرية البريطانية تشمل 407دبابة.و6آلاف ناقلة جند.و90 مدفع متحرك،بالإضافة إلى 138 مدفع مجرور.و42 راجمة صواريخ.أما القوة الجوية فتشمل 880 طائرة. وعدد الطائرات الاعتراضية المقاتلة 91 طائرة. أما الطائرات الهجومية فتبلغ 337 طائرة.كما أن هناك 330 طائرة تدريب، و348 طائرة هيليوكبتر، و49 طائرة هيليوكبتر هجومية. أما القوة البحرية فتبلغ 76 قطعة، منها حاملة طائرات واحدة، و13 فرقاطة،و6 مدمرات.كما تمتلك 10 غواصات،و18 سفينة لخفر السواحل.و15 كاسحة ألغام.
القوة العسكرية الإيرانية
تتكون القوات المسلحة الإيرانية في فترة السلم من بنيتين منفصلتين الجيش الإيراني وفيلق حرس الثورة الإسلامية. والأركان العامة الموحدة للقوات المسلحة تشرف على قيادة الجيش والقوات المسلحة ويعتبر المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، آية الله علي خامنئي القائد الأعلى للقوات المسلحة.والتي تضم في الخدمة الفعلية 545 ألف مقاتل. في خدمة الاحتياط مليون و800 ألف مقاتل.أما القوة الجوية فتشمل 480 طائرة.و128 طائرة هيليوكبتر، و12 طائرة هيليوكبتر هجومية، وعدد الطائرات الاعتراضية المقاتلة 137 طائرة. أما الطائرات الهجوميةفتبلغ 137 طائرة. كما أن هناك 80 طائرة تدريب،وتملك إيران 1658دبابة.و 1315ناقلةجند.و2078 مدفع،بالإضافة إلى 1474 راجمة صواريخ.  أما القوة البحرية فتبلغ 398 قطعة، و6 فرقاطات، و3 كورفيت.كما تمتلك 33 غواصة، و254 سفينة لخفر السواحل.و5 كاسحات ألغام.
الحلول محل الأمريكان
-كشفت صحيفة «التايمز» البريطانية، قبل أيام، عن أن البحرية الملكية بدأت تتولى القيادة في الخليج بدلاً من الولايات المتحدة، وأشارت الصحيفة إلى أن المدمرة البحرية البريطانية «اتش. ام. اس. اوشان» تولت للمرة الأولى عملية القيادة بدلاً عن حاملة الطائرات الأميركية «يو. اس. اي. ايزنهاور» والتي غادرت المنطقة[5].وتستضيف «اتش. ام. اس. اوشان» مركز القيادة لسبع قطع بحرية في المنطقة، منها أميركية وفرنسية، وتغطي عملياتها مساحة ما يقارب 2.5 مليون ميل بحري، فثمة من يعيد كل هذا الحراك البريطاني في المنطقة إلى الانكفاء الأميركي النسبي من الشرق الأوسط.
-لن يتوقع أحد أن تصبح العلاقة بين داوننغ ستريت والبيت الأبيض، كتلك التي ربطت بين مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان في ثمانينات القرن الماضي.ولا يظن أحد أن تيريزا ماي قد استأذنت باراك أوباما في مشاركتها قمة مجلس التعاون،فقد قادتها مصالحها بالدرجة الأولى. نقول ذلك رغم توضيح وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة على هامش مشاركة رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماري في قمة مجلس التعاون 37[6]،إن إطلاق الشراكة الاستراتيجية بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبين المملكة المتحدة لا يعكس تراجعًا بالعلاقات الأمريكية -الخليجية. وأن الشراكة مع المملكة المتحدة ليست على حساب العلاقات الأمريكية،بل أن الدول الخليجية مستمرة في تعزيز الشراكة الخارجية مع الأشقاء والحلفاء الدوليين والدول الصديقة والمنظمات الإقليمية. وذلك كلام منطقي بحكم أن بريطانيا لن تكون البديل المناسب محل الأمريكيين وقوتهم العسكرية التي تضم في الخدمة الفعلية للولايات المتحدة مليون ونصف مقاتل. وفي خدمة الاحتياط 1100000 مقاتل.أما القوة البرية البريطانية فتشمل 8848دبابة.و41062ألف ناقلة جند.و1934 مدفع متحرك،بالإضافة إلى 1300 مدفع مجرور.و1331 راجمة صواريخ.أما القوة الجوية فتشمل 13444 طائرة. وعدد الطائرات الاعتراضية المقاتلة 2308 طائرة. أما الطائرات الهجومية فتبلغ 2785 طائرة.كما أن هناك 2771 طائرة تدريب،وطائرات النقل 5739 طائرة و6084 طائرة هيليوكبتر، و957 طائرة هيليوكبتر هجومية. أما القوة البحرية فتبلغ 415 قطعة، منها 19حاملة طائرات، و6 فرقاطات،و62 مدمرات.كما تمتلك 75 غواصات،و13 سفينة لخفر السواحل.و11 كاسحة ألغام.
وعليه يظهر ميزان القوى في الخليج أن المملكة المتحدة تحتل الترتيب السادس من ضمن 126دولة. فيما تتصدر الولايات المتحدة المركز الأول في القائمة،بينما إيران فهي 21 في ميزان القوة[7].
– الفرص
– تعتبر بريطانيا العقل الغربي المدرك لأبجديات المنطقة ومعضلاتها أكثر من قدرة واشنطن وغيرها من القوى الأجنبية. فبريطانيا تتعامل مع الخليجيين بلغة يسندها فهم تاريخ وجغرافيا المنطقة.
– الحقيقة أن البريطانيون كانوا هنا حتى نكاد أن نقول أنهم لم يغادروا أصلا.ولدى بريطانيا تحالف استراتيجي تاريخي مع دول مجلس التعاون الخليجي فهناك معاهدة دفاع مشترك منذ أوائل السبعينيات تربط كلاً من الإمارات البحرين الكويت وقطر ببريطانيا.
-سيسهل عمل بريطانيا أنها وقعت اتفاقًا مع البحرين لإقامة قاعدة بحرية لها،تشمل قاعدة عمليات جديدة متقدمة ومكانًا لتخزين المعدات للعمليات البحرية وإيواء أفراد البحرية الملكية البريطانية. وبالتالي ستمكن بريطانيا من إرسال سفن أكثر وأكبر لتعزيز الاستقرار في الخليج،كما ستعزز من قدرتها على القيام بمناورات وتدريبات مع دول المنطقة وتستخدم كنقطة انطلاق لجنودها،ولاستيعاب بوارجها في مرحلة ما بعد أفغانستان،فقد قال رئيس أركان جيش الدفاع البريطاني الجنرال سير ديفيد ريتشاردز “بعد أفغانستان، سيصبح الخليج الجهد العسكري الرئيسي لنا”
-لقد أعلنت لندن على لسان رئيسة وزرائها أن أمن الخليج من أمن بريطانيا 2016م، هو بحجم مبدأ كارتر 1980م، الذي ربط أمن الخليج بأمن أمريكا، حيث انخرطت بعدها واشنطن في أكبر عملية تسليح للخليج
،ووضعت منطقة الخليج والنفط وممراته الحيوية في صلب أمن أمريكا ومصالحها الاستراتيجية. وأنشأت «قوة التدخل السريع» وضاعفت قواعدها وقواتها في المنطقة.
– عودة بريطانيا العسكرية للخليج مؤشر عن وعي بريطانيا وإدراكًا سياسيًا ناضجًا لحقائق الواقع، إن لم نقل ردات فعل لبراغماتية سياسية مستنيرة. وفهم لحجم الخطر الإيراني واستعدادها للتعاون لمواجهته في سوريا واليمن والخليج.بل إن بريطانيا ترى الخطر الذي تشكله إيران على الشرق الأوسط برمته.حيث تتفق معنا في أن مشكلتنا مع إيران لم تكن  إنتاج المزيد من المفاعلات النووية بل إنتاج المزيد من الميليشيات.وعليه  تعتزم بريطانيا بناء ثلاث قواعد عسكرية جديدة في الشرق الأوسط كجزء من استراتيجية مواجهة خطر التطرف بالمنطقة. وتشمل الخطة إقامة القواعد العسكرية الجديدة في كل من الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان بالإضافة إلى البحرين[8].
-إن مما يشجع على الاحتفاء بخطوة بريطانيا للخليج،وأخذها في الاعتبار استعداد لندن لإنفاق المليارات لتعزيز الأمن بالمنطقة، لدعم استقرار المنطقة الآن أكثر من أي وقت سابق، فأمن الخليج هو أمن بريطانيا كما قالت تريزا ماي. ولذلك تستثمر لندن في القوى الصلبة Hard power في الخليج بما يزيد عن 3 مليارات جنيه إسترليني في الدفاع خلال العقد المقبل، وهو إنفاق أموال في الخليج يفوق أي إنفاق في منطقة أخرى في العالم.
– أصبحت مساعدة دول الخليج أولوية لجميع بلدان العالم بسبب الخطر المحدق بالعالم المتحضر،والذي يشكله تنظيم “داعش”واللاعبين الذين يقوض نفوذهم الاستقرار في المنطقة
– اشارت ماي إلى أنها ستعلن قريبًا عن تعيين ثلاثة خبراء بريطانيين متخصصين في أمن المعلومات، ليتم إرسالهم إلى منطقة الخليج بغية التعاون مع السلطات المحلية. لمنع أي هجمات موجهة لا سيما الهجمات الإلكترونية.
– ملفي الاقتصاد والأمن شديدي الارتباط. ولأن الخليج قد كان معقل الاسترليني،لذا حسمت لندن الجدل، وأعلنت بوضوح أن التوصل إلى اتفاق بشأن التجارة الحرة مع الخليجيين سيكون أهم قرار تتخذه بريطانيا بعد قرار الانسحاب من الاتحاد البريطاني، فمنطقة الخليج هي أكبر مستثمر في بريطانيا، وثاني أكبر مستورد غير أوروبي للصادرات البريطانية، ما يجعل دول الخليج في وضع يسمح للجانبين بتوسيع علاقاتهما الاقتصادية والتجارية. ولا غرابة ان تعلن تريزا ماي أن لندن ستصبح «عاصمة للاستثمار الإسلامي».  وهو سعي بريطاني إلى البحث عن بدائل للأسواق الأوروبية التي قد تفقدها بعد “البريكزت” .
– كما أن مظاهر جدية الانخراط البريطاني في قضايا أمن الخليج توجه رئيسة الوزراء، فور وصولها إلى البحرين، لزيارة جنودها في قاعدة ميناء خليفة بن سلمان، لتشهد أمامهم على «العمل الدؤوب الذي يقومون به كجنود بالقاعدة البحرية تجاه أمن الخليج الذي يعدّ أمننا».
– هناك مؤشرات على عزم جاد لبريطانيا على التواجد في الخليج والمتوقع أن تكون الجفير القاعدة الأم ومركزاً للقوة البحرية بصورة رئيسية، على أن تحتضن قاعدة المنهاد في دبي القوة الجوية، وتكون سلطنة عمان من نصيب القوة البرية، علمًا بأن البريطانيين بدأوا منذ العام الجاري رفع إنفاقهم العسكري. وهو حرص مدروس بعناية بدليل عزم وزارة الحرب البريطانية طرحت أكثر من 50 ثكنة وقاعدة بحرية وجوية للبيع في إطار خطط لتقليص حجم المواقع العسكرية البريطانية في الداخل بمقدار الثلث[9].
– لكون علاقة دول الخليج وروسيا بوتين على طرفي نقيض في ملفات عدة، وجدت لندن نفسها في نفس مسار دول الخليج،فبريطانيا تظهر تحفظًا في علاقاتها مع روسيا،على خلفية الملف الأوكراني وجزيرة القرم.
– تراهن دول الخليج على دور بريطاني في إقناع الولايات المتحدة بتبني الأجندة الخليجية، خاصة بعد تولي ترامب الحكم في يناير المقبل، فلندن وواشنطن حليفين لصيقين.
– التحديات  
 أما التحديات التي تواجه عودة بريطانيا بقيادة تيريزا ماي فمنها:
– اعتادت لندن الخروج من اتفاقياتها دون تردد، ليس كما خرجت من الخليج عام 1970م، فحسب، بل كما خرجت في 2016م، من الاتحاد الأوروبي. بل إن مصداقية بريطانيا نفسها على المحك، وهناك من يرى أن بريطانيا ستحاول في المقابل استنزاف الجيب الخليجي لخدمة مصالحها الاقتصادية من خلال تقديم وعود وهمية بالدفاع عن الأمن القومي الخليجي،فقد أعلنت شركة “رويال داتش شل” العمومية المحدودة، والمعروفة باسم “شل” وافقت على تطوير حقول النفط والغاز في إيران.حيث وقعت شل والحكومة الإيرانية اتفاقيات تمهيدية معروفة باسم “مذكرات تفاهم”، غير ملزمة بالاستثمار، وإن تمت الاتفاقية، ستعد فوزًا كبيرًا لإيران. كما أن بريطانيا التي قامت بدور رئيسي في التوصل للاتفاق النووي، ستسعى لسد الفراغ الناتج عن تغير أولويات الاستراتيجية الأمريكية.
– ستزيد خطوة التعاون البريطاني ــ الخليجي من التوحش الإيراني، فقد عاجل ناطق الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي تيريزا بالقول إن «بريطانيا تهاجمنا لاسترضاء دول الخليج».بل أن إيران أُصيبت بالهلع واستدعت السفير البريطاني في طهران وقدمت في لندن مذكرة احتجاج للخارجية البريطانية، بسبب تصريحات تيريزا ماي في البحرين. فما جعل الأمر مختلفا هذه المرة في تقدير صانع القرار السياسي الإيراني هو في طبيعة الخطاب السياسي البريطاني تجاه طهران ومباشرته ووضوحه والتزامها بحماية دول الخليج ومواجهة التهديدات التي تتعرض لها من طهران.
-الوقت قيم وحساس للبريطانيين، بنفس قدره أيضًا لأهل الخليج، والحالة تستدعي من الطرفين قراءة مغايرة لسياستهما الخارجية؛ الأولى تتصل بخروجها من دائرة الاتحاد الأوروبي، مع تقدير الخسائر التي ستصيبها اقتصاديًا جراء ذلك الفعل، وحتمية البحث عن شركاء جدد فاعلين.والثانية خروج الخليج من اهتمامات واشنطن الأولية.
– التعاون مع بريطانيا كما قال الأمين العام لمجلس التعاون د. عبد اللطيف الزياني «إحدى ثمار الحوار الاستراتيجي المشترك»، وعليه يتضح أن الخليجيين من سعى للأمر تلافياً للفراغ الاستراتيجي.مما يجعلهم في موقف ضعف من يطلب الحاجة.
-نتفهم أن يكون لبريطانيا دور جديد في العالم بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي،فهل القوة البريطانية بقدر المهمة التي ستتحملها، وكيف نتوقع أن تحل وهي السادسة في ميزان القوة الذي تعده مؤسسة «جلوبال فاير باور» الأميركية.  globalfirepower.comمحل الدولة الأولى.لكن لم تعد بريطانيا «عظمى» ولكن تعد دول الخليج في منزلة «المحميات»
– تدرك بريطانيا أن ما أصاب الجنيه من تراجع يشكل حافزًا لمزيد من الاستثمار الخليجي في كثير من القطاعات.حيث قامت الدول الخليجية بتحويل بوصلة استثمارها إلى دول أوروبا، وخاصة بريطانيا، لما اتصفت به من وجود مناخ أفضل وآمن وأكبر عائد، وأكثر ترحيبًا باستثماراتهم. ومواز لذلك سارعت لندن بصنع ملف التعاون مع دول الخليج لامتصاص الودائع والاستثمارات التي أصابها قانون «جاستا» بالذعر،فماذا سيحدث بعد جفاف الودائع أو تعديل قانون جاستا!
– لم تعد بريطانيا قوة عظمى كما كانت حين غادرته فثمة قوى إقليمية ودولية تتمدد لملء الفراغ. وقد ظهرت حدود قدرة القوى الكبرى وعجزها ومنهم بريطانيا يظهر بوضوح جراء فشل هذه القوى في فرض الحلول والتسويات في العراق وسوريا وليبيا واليمن.
-نخاف في الخليج من قصور الدبلوماسية الخليجية عن استثمار اللهفة البريطانية لتفادي الانكفاء للداخل.فهناك قرار بريطاني بعودة أقوى إلى الدور الدولي والخليج ممر إلزامي خبرته لندن في ذروة زمنها الاستعماري، فهل هناك في دولنا من هو مؤهل لاستثمار هذه «اللهفة» التي عجز البريطانيون عن كبحها.
– رغم تراجع بريطانيا كدولة فاعلة على الساحة الدولية، ستحاول استغلال استثمار مخاوف دول الخليج لمنفعتها العسكرية.وهل ستسهم تلك القواعد في توسيع نفوذ بريطانيا بالمنطقة دون أن تخسر لندن الكثير من المال.فمن سيدفع كلفة هذه القواعد، وهل هي جزء من الاتفاقيات الأمنية كالتي وقعتها الكويت بعد تحريرها وتدفع نظيرها الكثير!
-ربما تكون زيارة وزيرة الخارجية البريطانية تريزا ماي وحضورها قمة مجلس التعاون نوع من الانحناءات الدبلوماسية التي يمارسها مجلس التعاون جراء افتقاده الرؤية الحازمة تجاه القضايا الاستراتيجية،وليس أدل على ذلك من مشاركة نجاد بالقمة الــ 28 بقطر 2007م، في زمن مماحكات النووي والجزر الإماراتية، ثم حضور الرئيس الفرنسي أولاند قمة الرياض مايو 2015 م، دون نتيجة تذكر.
-كما أن مما يقلقنا أن تكون الشراكة الاستراتيجية الخليجية البريطانية مثل التعاون الخليجي مع الناتو في اتفاقية مبادرة اسطنبول التي وقعت 2004 حيث صرنا المزود بالمعلومات الاستخبارية، والمعطي للتسهيلات. ويؤكد مخاوفنا أن «بريطانيا تعتمد بشكل كبير على المعلومات الاستخباراتية التي تحصل عليها من قبل السعودية لإبقائها آمنة»[10]كما قالت الديلي تلغراف ذات مرة.
– قد يتهاوى مشروع التقارب الخليجي البريطاني بغياب تريزا ماي عن رئاسة الحكومة البريطانية فتصريحات وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون تجاه الرياض لم تكن ودية.وربما يصل إلى رئاسة الحكومة في الانتخابات البرلمانية القادمة، ويصبح نموذجًا للرئيس الأميركي المنتخب ترامب حول السياسات المرسومة لعلاقاتها بدول الخليج العربي[11].
ختامًا ..
في «مانفيست» سفن شركة الهند الشرقية لتيريزا ماي وعد أن الإنفاق العسكري البريطاني في الخليج سيكون أكثر من إنفاقها بأي منطقة أخرى، لكن بريطانيا سابقاً كانت تأخذ ولا تعطي،( وفي وجه الأحفاد شبه لا تخطئه العين مع الأجداد)، فجعل لندن عاصمة للاستثمار الإسلامي وليس أحد دول الخليج تقريب للشبه. فهل سنحسن إرساء سفن القادمين الجدد؟ فهناك ضمور للدور الأميركي وتراجعه في منطقة الشرق الأوسط لصالح بديلين هما روسيا من جهة، وبريطانيا من جهة أخرى. ورغم ميلنا لتوسع مساحات المسكوت عنه في القصور البريطاني إلا أننا نحتار في كيفية تحفيز فكرة أن عودة بريطانيا للخليج العربي أشبه بخيار الضرورة\.أما تبديل الأمريكان بالبريطانيين فتبدوا دول الخليج كمن يواجه صعوبات مقدّرة لا فكاك منها إلا بخيارات صعبة، فخطر إيران وأطرافها ومن الإرهاب لم يعد مجرد تحليلات مبنية على مؤشرات متناثرة بل حقيقة.

Print Friendly, PDF & Email

شاهد أيضاً

د. ظافر العجمي يكتب : تخلي دول الخليج عن “بشت” المناورة الدبلوماسية وارتداء “درع” الحزم العسكرية الخليجية المشتركة..جسر لقيام الاتحاد الخليجي

الحصيلة – د. ظافر العجمي : التحول الخليجي إلى الاتحاد الإستراتيجية بصورة عامة واحدة في …